رحمان ستايش ومحمد كاظم
18
رسائل في ولاية الفقيه
المباركة في إيران . وقد أقيمت في هذه المرحلة أدلة عقلية ونقلية مختلفة لإثبات هذه النظرية . بيد أنّ بعضها واجه إشكالات ومؤاخذات من قبل بعض الفقهاء ، سواء الذين كانوا مقتنعين بأصل النظرية من طريق آخر من أمثال المير فتّاح المراغي ، أم الذين كانوا يشكّكون فيها من الأساس . ورغم أنّ بحوثا كثيرة قد أنجزت ، ودراسات متعددة قد كتبت في هذه البرهة إلّا أنّ الكثير من زواياها بقيت بعيدة عن أنظار العلماء بسبب غيابها عن ساحة تطبيقها عمليا . ثم إنّه تبلورت المرحلة الخامسة لهذه النظرية حينما وضعت حيّز التطبيق العملي عند انتصار الثورة الإسلامية المباركة في إيران . وفي بداية هذه المرحلة أيضا لم تحظ هذه المسألة بما ينبغي أن تحظى به من الاهتمام والبحث والدراسة والتبيين ، بسبب انهماك الطاقات الفكرية للثورة بمجريات الأمور الحادثة ، ومشاكل ما بعد انتصار الثورة ، لكن بعد تغلّب الحكم الاسلامي على تلك العقبات وتجاوزه إيّاها ، وتوجّه المجتمع نحو الاستقرار والثبات ، وفي أعقاب تقليم أظفار المنافسين الفكريّين وتقهقرهم ، وخلوّ الأجواء من التوتّرات الشديدة ، اتّجهت الأنظار نحو هذه المسألة أكثر من السابق ، ووضعت مختلف جوانبها على بساط البحث ، وسلّطت عليها الأضواء من كلّ الزوايا . إنّ مثل هذا النوع من التطوّر وتسليط الأنوار بعد فترة الظلّ غير محصور على نطاق فكرة « ولاية الفقيه » وإنّما يمتدّ ليشمل جميع المسائل الفقهية والأصولية ، أليس ينطبق هذا المعنى على صعيد الأصول العملية في علم أصول الفقه ؟ وفي مضمار الفقه أيضا يمكن الإتيان بأمثلة كثيرة طالها التغيير بعد فترة طويلة من الثبات في الظلّ . فالأمر الذي يمكن استخلاصه من هذه التوضيحات المتقدّمة هو أنّ فكرة « ولاية الفقيه » فكرة عريقة وأصيلة في الفكر السياسي الشيعي ، وقد بدأت بطرح مسألة شخص شروط الحاكم في عهد الأئمّة المعصومين عليهم السّلام ، ثم تطوّرت إلى طرح مسألة الحكومة الدينية في عصر الغيبة على طاولة مباحث رواتهم ونقلة أحاديثهم ، وانتظمت أسسها على يد الفقهاء العاملين على مذهبهم من مختلف العهود إلى أن بلغت هذه المرحلة التي نشاهدها اليوم .